أهمل المسؤولون إصلاح قطاع الكهرباء طويلًا، حتى تحوّل إلى مثال يُضرب عن الفساد المستشري في القطاع العام. مشكلة هذا القطاع، بالتحديد، أنه مدرّ للأرباح لفئة قليلة من المتنفذين، بقدر ما هو مولّد للأعباء المالية على الأفراد والخزينة. ولأن الفئة المستفيدة أقوى، وهي محسوبة سياسيًا، وتتمتع بالاحتكارات والامتيازات، تتكسر أمواج الحلول العملية على صخورها الناتئة، مانعةً وصول مدّها إلى شواطئ توفير خدمة بديهية لنمو الاقتصاد والمجتمع. وتستمر المصيبة في تقويض كل القوانين والمراسيم التي أصبحت بمثابة تمرين ذهني، أكثر مما هي أدوات للتطبيق والتنفيذ الفعلي.
في أحدث تقرير له تحت عنوان «لبنان: تشخيص الحوكمة والفساد»، أفرد صندوق النقد الدولي فصلًا كاملًا عن الفساد في قطاع الكهرباء. ولعلّ أكثر ما يلفت الانتباه هو ذكر «الصندوق» أن عدم تسهيل مشاركة القطاع الخاص، بشكل منظّم، في إنتاج وتوزيع الكهرباء، هو أحد أسباب استمرار الأزمة، وذلك رغم وجود القوانين المنظّمة لذلك.
الاحتكار جوهر المشكلة
الحقيقة المُرّة أن ما اعتبره الصندوق سببًا من بين أسباب عديدة للأزمة هو، في الواقع، أصل الداء. فمنع عمليات التدقيق الخارجي في مؤسسة الكهرباء، واستخدام أعداد كبيرة من العمالة المؤقتة مع تجميد التوظيف، وضعف الحوكمة، والفساد في صفقات الشراء، والتدخل السياسي في مجلس إدارة المؤسسة، وسلطة المدير العام شبه المطلقة، وغياب المحاسبة؛ كلها نتائج مباشرة لاحتكار الدولة لقطاع الكهرباء، إذ لولا هذا الاحتكار لما وجدت البيئة التي سمحت لهذه الاختلالات بالترسخ والاستمرار.
على مدار السنوات الطويلة، لم تتمتع مؤسسة كهرباء لبنان بـ احتكار شبه مطلق لإنتاج الكهرباء ونقلها وتوزيعها فحسب، بل تمتعت أيضًا بسلطة تقديرية واسعة. فقد امتلك مديرها العام، بموافقة وزراء الوصاية أو بطلب منهم، هامشًا كبيرًا من الحرية في منح عقود الصيانة، واختيار الموردين، وتحديد أولويات الاستثمار، واستثناء بعض المتعهدين أو تفضيلهم.. في المقابل، غابت المساءلة، وإن حضرت شكليًا، بقيت من دون محاسبة فعلية. وتمثل آلية العمل هذه الوصفة المثالية للفساد، بحسب الاقتصادي روبرت كليتغارد، الذي صاغها في معادلة شهيرة تقول: الفساد = الاحتكار + السلطة التقديرية − المساءلة.
إهمال تنفيذ القوانين
ظلّت أزمة الكهرباء، طوال عقدين ونصف العقد تقريبًا، أسيرةَ رفض فتح القطاع أمام المنافسة وفقًا لأحكام القانون 462. فهذا القانون، الذي يعتبر الطاقة الكهربائية سلعةً استراتيجيةً وحيويةً للمواطن والاقتصاد، نصّ على تأمين المشاركة الفعالة للقطاع الخاص في أنظمة توليد الطاقة الكهربائية ونقلها وتوزيعها، وربط ذلك بإنشاء الهيئة الناظمة للقطاع. ولأن خصخصة القطاع كانت تعني، بالنسبة إلى المستفيدين من الواقع القائم، تعطيل منظومة الصفقات والامتيازات، بقي تشكيل الهيئة حبرًا على ورق منذ عام 2002 حتى أيلول 2025، حين أقرّ مجلس الوزراء تعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء برئاسة مروان جمال وعضوية دانيال جحا، وسورينا مرتضى، وهنري ضاهر.
تطبيق القانون 462
من شأن تطبيق القانون 462 أن يؤدي تدريجيًا إلى إنهاء احتكار مؤسسة كهرباء لبنان للقطاع، ولا سيما في مجال الإنتاج. فخصخصة إنتاج الكهرباء، وإتاحة المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار في بناء المعامل وتشغيلها، من شأنهما توسيع إنتاج الطاقة، ولا سيما من المصادر النظيفة والمتجددة. ويؤدي ذلك إلى توفير أكلاف باهظة يتحملها الاقتصاد والمواطنون، فضلًا عن تحسين التغذية الكهربائية وزيادة موثوقية الخدمة. كما أن السماح للقطاع الخاص ببناء معامل الإنتاج يخفف الأعباء الاستثمارية عن الدولة، فيما تساهم المنافسة في خفض الأسعار وتحسين الكفاءة. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل ارتفاع تعرفة الكهرباء الحالية، المحددة رسميًا بنحو 27 سنتًا للكيلوواط ساعة، وهو مستوى يفوق المتوسط العالمي بأشواط.
أما فيما يخص التوزيع، فإن ضمان وصول الكهرباء بكفاءة يوجب إلغاء نظام التعاقد مع مقدّمي الخدمات، وهو نظام مكلف وبيروقراطي وبطيء، ولم يثبت نجاحه، والانتقال إلى التعاقد مع شركات تشتري الكهرباء مباشرة من المعامل وتبيعها للمواطنين، وهو ما يحفّزها على ضبط الهدر وتحسين الجباية، والتنافس فيما بينها.
يبقى النقل، وهو العنصر الأهم، إذ يُقدَّر الفاقد التقني على الشبكة التي تديرها مؤسسة كهرباء لبنان بأكثر من 50%، نتيجة تقادم الخطوط، وعدم الصيانة، والسرقات من الشبكة (التعديات). وعلى الرغم من أن القانون ينص على إدارة نسبية للقطاع الخاص لشبكة النقل وبشكل تدريجي، فإن تأمين الكهرباء يستوجب خصخصة النقل أيضًا، والسماح للشركات بالتنافس فيما بينها لضمان وصول الخدمة بكفاءة عالية.
الكلفة الباهظة التي يتحملها الأفراد
إزاء هذا الواقع المتردي لقطاع الكهرباء، والمترافق مع إهمال الإصلاحات، وصلت الكلفة التي يتحملها الأفراد إلى حدود خيالية. وقد ارتفع متوسط ما تنفقه الأسرة لتأمين الكهرباء من المولدات الخاصة (الاشتراك) من حدود 12% من دخلها في عام 2019، بحسب دراسة أجراها البنك الدولي، إلى 44% في عام 2023، بحسب تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش بعنوان «معزولون عن الحياة نفسها». أما بالنسبة للأسر التي تقع ضمن الخُمس الأدنى دخلًا وتستخدم مولدات الكهرباء، فقد بلغت فواتيرها نحو 88% من دخلها الشهري في المتوسط، مقارنةً بـ 21% لدى الخُمس الأعلى دخلًا.
وعلى الرغم من زيادة المداخيل بين عامي 2023 و2026، فإن كلفة شراء الكهرباء من المولدات الخاصة، نتيجة فقدان الكهرباء العامة، لم تنخفض. فمع وصول سعر صفيحة المازوت إلى حدود مليونين ومئتي ألف ليرة، ارتفعت التسعيرة الرسمية للمولدات إلى نحو 50 سنتًا للكيلوواط ساعة بحسب تسعيرة وزارة الطاقة لشهر أيار، فيما تصل التعرفة الفعلية على أرض الواقع إلى نحو 90 سنتًا، وقد تتجاوز في أماكن كثيرة دولارًا واحدًا.
وإذا افترضنا أن متوسط استهلاك الأسرة 150 كيلوواط في الشهر، فإن كلفة الكهرباء بين الفاتورة والاشتراك تتجاوز 200 دولار، وهو ما يمثل نحو 70% من متوسط ما تتقاضاه معظم العائلات.
“أدت سياسات الإهمال التي استمرت لعقود، والفساد المستشري، واستئثار النخب بموارد الدولة، إلى انهيار شبه كامل لنظام الكهرباء في لبنان”، خلاصة ما يستنتجه تقرير صندوق النقد. وقد عملت مؤسسة الكهرباء بعجزٍ تم تمويله من خلال موارد مالية منذ عام 1993 وحتى اليوم. ورغم أن تعديل التعرفة خفّض من عجز التشغيل، إلا أن المؤسسة لا تزال غير مكتفية ذاتيًا وتعتمد على دعم الدولة لتمويل واردات الوقود. علاوة على ذلك، لا يزال نقص إمدادات الكهرباء الموثوقة والمستمرة يمثل مشكلة رئيسية لم يتم حلها بعد.
في الماضي القريب، كان يُقال عند تهديد أحد بفضح أخباره السيئة على الملأ: «بدي أنشرك على صنوبر بيروت». أمّا اليوم، فقد تجاوزت أخبار الفساد في لبنان حدوده المحروسة، وانتشرت على «صنوبر» صندوق النقد، وأمام العالم بأسره.
ومع ذلك، لا يزال المسؤولون يتأملون المساعدات والقروض والمنح والتعاون، من دون أن يعيروا الإصلاح ما يستحق من اهتمام. فأي كذبة نعيش فيها؟
