مصرف لبنان لا يستطيع “طباعة” الاستقرار المالي

المالي

بدلاً من أن «تكحّل» الأزمات الاقتصادية والمالية، «أعمت» سياسات مصرف لبنان، على مدار عقدين ونيّف من الزمن، البلاد والعباد. عقدٌ ونصف العقد تقريباً قضاه مصرف لبنان يجمع الدولارات بكلفة باهظة من كل حدب وصوب ويقرضها للدولة. واستمرت هذه المرحلة منذ عام 1998 حتى عشية الانهيار في عام 2019. أما الفترة الثانية، الأقصر نسبياً، فأمضاها بطباعة الليرات بين عامَي 2020 وأوائل 2023، ليكمل ما عجزت عنه عشرات مليارات الدولارات في إشباع نهم الدولة الفاسدة. في المرحلة الأولى، كان المصرف المركزي الصدعَ الذي انطلق منه الزلزال المالي، وبدلاً من أن يرأبه في المرحلة الثانية، ساعد على توسيعه عن سابق إصرار وتصميم.

على غرار المثل الشعبي: «يا عنتر، مين عنترك؟ عنترت وما حدا ردّني»، تفرّد مصرف لبنان برسم السياسات المالية والنقدية للدولة لعقود من الزمن من دون أي محاسبة أو مساءلة. بل على العكس، حظي بترحيب وتشجيع واسعين من المنظومة السياسية، المستفيد الأول من عطاياه السخية، سواء بصورة مباشرة أو عبر تضخّم القطاع العام وحشو مؤسساته بالمحاسيب والأزلام، بما ضمن شراء الولاءات وإسكات الأصوات المعترضة. وإذا أردنا الاستعانة بالأمثال الشعبية التي تختصر الوجع بسخرية لاذعة، لجاز القول إن اعوجاج مصرف لبنان لم يكن سوى انعكاس لاعوجاج الدولة نفسها؛ فالمصرف لم يعمل في فراغ، بل كان جزءاً من منظومة سياسية ومالية متكاملة تقاسمت المسؤولية عن الانهيار.

إصلاح القطاع العام

«لا يمكن لأي معالجة مصرفية أن تنجح أو تستمر في ظل دولة لا تموّل نفسها بنفسها وبصورة سليمة ومستدامة»، قال حاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، خلال استضافته في لقاء حواري بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. وأكد أن تحقيق هذا الهدف يتطلب إصلاح المؤسسات العامة، وتعزيز إدارة الإيرادات، وترشيد كتلة الأجور في القطاع العام، وإلغاء أشكال الدعم ذات الدوافع السياسية. وأوضح سعيد أن ذلك يشمل إصلاح المؤسسات العامة، وتعزيز إدارة الإيرادات، وترشيد كتلة الأجور في القطاع العام، وإلغاء أشكال الدعم ذات الدوافع السياسية.

مصرف لبنان الذي طبع الليرات خلال السنوات الماضية لتمويل نفقات الدولة بكلفة باهظة على التضخم وقيمة العملة الوطنية، “لا يستطيع طباعة الاستقرار المالي”، قال سعيد، بل إن مسؤولية تحقيقه تقع على عاتق الدولة من خلال حسن الإدارة والحكم الرشيد. والمطلوب برأيه البناء على الاصلاحات التي قامت بها الحكومة الحالية، وأبرزها :

  • إقرار تعديلات قانون السرية المصرفية في عام 2025.
  • إقرار قانون إعادة هيكلة المصارف، وهو يخضع حالياً لمراجعة إضافية بناءً على طلب صندوق النقد الدولي، وسيُعاد إقراره بصيغته النهائية خلال عام 2026.
  • إحالة مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع (FSDR) إلى مجلس النواب، وهو مشروع سيشهد نقاشاً طويلاً وحاداً، إلا أنني أتوقع إقراره في نهاية عام 2026 أو مطلع عام 2027.

تدابير المركزي

الخطوات التي تقوم بها الحكومة على الصعيدي المالي والاقتصادي، يلاقيها مصرف لبنان باجراءات نقدية حازمة. فاتخذ مع الإدارة الجديدة التي استلمت الدفة في نيسان 2025، قرارا حازما بوقف تمويل الدولة بالسلفات ومدها بالدولارات والليرات. ويعمل جديا على مكافحة تبيض الأموال وإخراج لبنان من اللائحة الرمادية لتبييض الأموال التي لا تؤثر على سمعة لبنان، إنما تضيف ايضا المزيد من الأكلاف، والأهم إعلانه صراحة عن تحمله مسؤولية تكاد تضاهي وتنافس مسؤولية الدولة بالأزمة، نتيجة إخفاقه في أداء دوره كجهة ناظمة رقابية على القطاع المصرفي، وكمصرف للدولة ملتزم مقتضيات الرصانة المالية.

وقد أكد سعيد الدولة أن مصرف لبنان والمصارف التجارية تتحمل جميعها حصصاً متفاوتة من المسؤولية، كلٌّ بحسب دوره ومساهمته في نشوء الأزمة. وما يتيحه الإطار النظامي لهذه الأزمة هو توفير “أساس عادل لـ توزيع الأعباء“، بما يضمن ألا تقع كلفة المعالجة بالكامل على المودعين، وهم في الوقت نفسه الطرف الأقل مسؤولية عن الأزمة والأكثر تضرراً من نتائجها. مشددا عل ان هذا ليس مجرد مبدأ مالي، بل هو واجب أخلاقي وأساس العدالة الاجتماعية.

خلافا لكل الأزمات العالمية التي نشبت في القطاع الخاص وارتدت على العام والمالي حصل العكس في لبنان، فقد كانت الدولة، بسبب التهوّر المالي والإستدانة الشرسة والممنهجة، هي اللاعب الرئيسي في هذه المأساة الوطنية، فيما  أصبح سائر المستفيدين والمشاركين فيها إما وكلاء أساسيّين كمصرف لبنان أو شركاء فعليّين كالمصارف التجاريّة. ولا يمكن بحسب سعيد الخروج من الأزمة إلا بمساءلة جدية واستعدة الأموال المنهوبة والضائع على الدعم والتحويلات. وقد بدأ مصرف لبنان إجراءت جدية بتكلف “الفاريز ومارسال” التدقيق بها لاستعادة ما يمكن استعادته وتخصيصه بشكل أساسي للمودعين.

الجدول الزمني

الخروج من الانهيار سيستغرق سنوات، وقد قسمها سعيد على 3 مراحل تمتد حتى العام 2030

  • المرحلة الأولى، أي مرحلة الاستقرار، تمتد على عامي 2026 و2027. وتشمل استكمال التدقيقات الجنائية والمالية، وإقرار الإطار التشريعي الأساسي، وإطلاق عملية تصنيف المصارف، والتوصل إلى برنامج مع صندوق النقد الدولي، والبدء بإعادة جزء من حقوق صغار المودعين.
  • المرحلة الثانية تمتد بين عامي 2027 و2028، فيجب أن تبدأ عملية إعادة الهيكلة بصورة فعلية: تصنيف المصارف ومعالجة أوضاعها، وتسوية الدين السيادي، وتحقيق تقدم ملموس في المؤشرات المالية العامة، والرفع التدريجي للقيود على حركة الرساميل مع عودة الثقة. وستكون هذه المرحلة الأصعب، نظراً لتعقيداتها التقنية، وحساسياتها السياسية، وحاجتها إلى إرادة سياسية مستدامة لم يُظهرها لبنان حتى الآن بالقدر الكافي، لكنه لا بد أن يجدها.
  • المرحلة الثالثة تمتد بين 2028 و 2030، فإذا ما نجحت المراحل السابقة، يصبح الانتقال إلى الوضع الطبيعي أمراً ممكناً.فعندها يمكن استعادة وظيفة الائتمان، واسترجاع القدرة على النفاذ إلى الأسواق، وتوسيع نطاق إعادة حقوق المودعين، وإرساء إطار نقدي مستدام.

مع كل هذا الإصرار فإنه لا شيء حتمي. لكن ما يفصل بين بين هاتين الحقيقتين هما: الإرادة السياسية والإدارة الرشيدة للمال العام، من قبل الدولة ومصرف لبنان.