خبران منفصلان متصلان يظهران هشاشة الاقتصاد اللبناني. الأول عالمي ويتصل بارتفاع كلفة الشحن البحري بوتيرة أسبوعية وبنسب كبيرة. والثاني محلي ويرتبط بتراجع الصادرات في الفصل الأول من العام الحالي، المنتهي في آذار، بأكثر من 32%، لتستقر عند أدنى معدلاتها السنوية، مسجلة 631 مليون دولار.
ما العلاقة؟
ترتبط عملية التصدير من لبنان بعلاقة عكسية مع أسعار الشحن العالمية؛ فترتفع الصادرات عندما تنخفض أسعار الشحن، وتتراجع مع ارتفاعها. وخلافًا للعديد من الدول، القريبة والبعيدة، التي تدعم أكلاف التصدير، ولا سيما للمنتجات الحساسة مثل الخضار والفواكه، فقدت القطاعات الإنتاجية في لبنان هذا الدعم منذ عام 2019، مع انهيار قيمة الليرة وتراجع دور “المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات” (IDAL) عن القيام بهذه المهمة. وإذا كان توقف الدعم بمختلف أشكاله يُعدّ من النتائج الإيجابية النادرة التي أفرزتها الأزمة، فإن المشكلة الأساسية التي تواجه الإنتاج اللبناني، الزراعي والصناعي، تتمثل في الارتفاع الكبير في أكلاف الإنتاج. ويكفي أن نشير إلى أن متوسط كلفة الكيلوواط/ساعة من الكهرباء، بين التغذية الرسمية والمولدات الخاصة، يتجاوز 50 سنتًا، مقارنة بما بين 5 و7 سنتات في العديد من الدول، لتقدير حجم الأعباء التي تتحملها القطاعات الإنتاجية. ويُضاف إلى ذلك ارتفاع أكلاف الاتصالات والمياه، فضلًا عن المشكلات اللوجستية المرتبطة بتأخر الإجراءات المرفئية وسوء أوضاع الطرق والبنى التحتية، وغيرها من المشكلات العديدة.
كلفة نقل الحاوية تتضاعف
ويُضاف إلى هذه الأكلاف كلها ارتفاع كلفة شحن الحاوية النمطية من مرفأ بيروت إلى ميناء جبل علي بنسبة 100%. ففي حين كانت كلفة نقل الحاوية تتراوح بين 2000 و2350 دولارًا، وتصل، بعد احتساب نفقات التخليص والمعاملات المختلفة، إلى نحو 3500 دولار، “أصبحت تكلف بعد اندلاع الحرب في الإقليم 7000 دولار”، يقول رئيس اتحاد الفلاحين اللبنانيين إبراهيم الترشيشي. وعلى اعتبار أن الحاوية تتسع لنحو 30 طنًا، فإن “كلفة إيصال الطن الواحد ترتفع إلى 250 دولارًا، مما يفقد تصديره جدواه الاقتصادية” يضيف الترشيشي.
تداعيات ارتفاع أكلاف الشحن البحري، التي ألقت بثقلها على الصادرات اللبنانية في الفصل الأول من العام الحالي، سوف تتفاقم في الفصل الثاني منه. فبين آذار وحزيران من العام الحالي، لم يتجاوز عدد الحاويات الزراعية المحمّلة على ظهر السفن 20 حاوية، يقول إبراهيم الترشيشي، عازيًا ذلك إلى ارتفاع كلفة الشحن، وتأخر وصول الشحنات إلى وجهاتها، وإحجام شركات النقل عن تحديد مواعيد دقيقة للوصول، بما يهدد بتلف البضائع.أما التصدير البري، فتوقف بالكامل بسبب انقطاع الطرقات.
ونتيجة لذلك، بقيت المنتجات في الحقول والأسواق، وأصبح الكساد سيد الموقف، فيما تراجعت الأسعار بشكل حاد، ما ألحق خسائر كبيرة بالمزارعين، وأجبرهم على بيع منتجاتهم بأسعار تقل بنحو 50% عن كلفتها الإنتاجية، وهي خسارة كبيرة، بحسب الترشيشي.
بارقة أمل
بعد مرور أكثر من خمس سنوات على إقفال الأسواق السعودية في وجه المنتجات اللبنانية، ومنع مرورها عبر أراضي المملكة إلى بقية الدول العربية، أعاد الاتصال الهاتفي الإيجابي بين رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الأمل بإعادة فتح باب التصدير إلى المملكة برًا، ومنها إلى سائر الدول العربية. وتكمن أهمية هذه الخطوة، بحسب الترشيشي، في أن المملكة كانت تستحوذ وحدها على نحو 50% من الصادرات الزراعية اللبنانية، الأمر الذي من شأنه أن يخفف حالة الجمود التي تعانيها مختلف الزراعات، وأن يوفر دفعة إضافية للاقتصاد اللبناني بصورة عامة.
لم يكن تأثر لبنان بارتفاع أكلاف الشحن وتعطل سلاسل التوريد ليبلغ هذه الحدة لولا هشاشة وضعه الاقتصادي الداخلي. فضعف بنية الاقتصاد يعود إلى سنوات طويلة من الاحتكارات العامة في قطاعات الكهرباء والمياه والاتصالات والنقل، وترهل إدارات الدولة، واتساع نطاق الفساد والرشاوى، وتعطل القطاع المصرفي، وتراجع الاستثمارات. وهي عوامل ضاعفت تداعيات أزمة الشرق الأوسط على لبنان، وفاقمت الأعباء الواقعة على القطاع الخاص الذي يكابد الأمرّين من أجل الصمود.
