أسقطت حرب 2026 لبنان في «المصيدة الفكية». فأطبق الفخّ المعدني، بفكّيه المتمثّلين في شحّ الموارد الداخلية وتراجع المساعدات الأجنبية، على عنق الاقتصاد. وبدأ هذا الكمين المُحكَم يهدّد بقطع الأنفاس عن عشرات الآلاف من الفئات الأكثر ضعفًا وهشاشة، قبل أن يمتدّ أثره إلى مختلف القطاعات العامة والخاصة.
للمرة الثانية خلال هذا العام، وتحت ضغط النزوح المستمر من مناطق القتال وتزايد الاحتياجات، أطلق لبنان النداء العاجل المُعدَّل، بصورة مشتركة بين مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ووزيرة الشؤون الاجتماعية، بصفتها الجهة الحكومية المسؤولة عن تنسيق الاستجابة للأزمة الإنسانية الناجمة عن تصاعد الأعمال العدائية، وذلك برعاية رئيس مجلس الوزراء اللبناني. ويهدف النداء المُعدَّل إلى جمع 331.5 مليون دولار إضافية لدعم المساعدات متعددة القطاعات وتوسيع نطاقها، بما يتيح الوصول إلى نحو 1.4 مليون شخص من المحتاجين حتى نهاية آب 2026.
تفاقم المخاطر
الإعلان يتضمن ثلاثة مستجدات تستدعي التوقف عندها مليًّا، وماليًا:
- المستجد الأول، هو وصول أعداد النازحين إلى مليون و400 ألأف شخص يمثلون أكثر من 20% من القاطنين في لبنان.
- المستجد الثاني هو الصعوبة المتزايدة التي تواجه شريحة واسعة من النازحين في تأمين الاحتياجات الأساسية، من مأكل ومشرب ومواد للنظافة الشخصية. ويُتوقع حدوث انقطاعات في الخدمات نتيجة نقص التمويل في قطاعات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، والصحة، والأمن الغذائي والزراعة، اعتبارًا من الأول من تموز، في ظل تجاوز الاحتياجات الإنسانية حجم الموارد المتاحة.
- أما المستجد الثالث، والأكثر خطورة، فيتمثل في ضعف الاستجابة الدولية لنداءات التمويل الطارئة. إذ لم تتجاوز نسبة الاستجابة للنداء الأول، الذي أُطلق في آذار، 30%، حيث لم يتلقَّ لبنان سوى 190 مليون دولار للفترة الممتدة من آذار حتى أيار، من أصل نداء بلغت قيمته 308 ملايين دولار.
أسباب تناقص التمويل
إذًا، يعكس النداء المُعدَّل تزايد حجم الاحتياجات الإنسانية وخطورتها، رافعًا إجمالي التمويل المطلوب للاستجابة خلال الأشهر الستة الممتدة من آذار إلى آب 2026 إلى نحو 640 مليون دولار، في مقابل استمرار ضعف الاستجابة الدولية.ويُرجع مطّلعون على الملف هذا التباطؤ، أو حتى التجاهل، لطلبات التمويل التي تطلقها الأمم المتحدة إلى سببين أساسيين:
- الأول يتمثل في التراجع الحاد في تمويل النداءات الإنسانية على المستوى العالمي، إذ انخفض إلى نحو 50% مقارنة بما كان عليه في السنوات الماضية. فالأمم المتحدة تطلق سنويًا «النداء الإنساني» (Humanitarian Appeal)، وهو طلب رسمي يحدد الاحتياجات الإنسانية العالمية للسنة التالية، ويضع خطط الاستجابة، ويقدّر حجم التمويل اللازم لمساعدة السكان المتضررين من النزاعات والكوارث.
وقد تمثلت المفارقة هذا العام في إحجام كبار المانحين عن زيادة الدعم، رغم تصاعد الاحتياجات الإنسانية عالميًا. فالولايات المتحدة الأميركية، التي كانت أكبر الممولين في عام 2023، بنسبة قاربت 40% وبقيمة بلغت 22 مليار دولار، خفّضت مساهمتها في عام 2026 إلى نحو 16%. كما اتخذت دول أوروبية عدة خطوات مماثلة، تحت ضغط الأعباء المالية المتزايدة وارتفاع مستويات العجز في موازناتها.
وعليه، تراجع سقف الطموح من جمع أكثر من 50 مليار دولار خلال عام 2026 إلى إطلاق نداء تمويلي بقيمة 33 مليار دولار فقط. ومع ذلك، يبقى من المستبعد تأمين هذا المبلغ كاملًا، استنادًا إلى تجربة العام الماضي، إذ لم تتلقَّ المنظمات الدولية سوى 12 مليار دولار من أصل نداء بلغت قيمته 47 مليار دولار.
- الثاني يتمثل في ضعف الإصلاحات الداخلية وعدم استكمال تطبيق القوانين المرتبطة بالحوكمة والشفافية، والتي شكّلت أحد أبرز الشروط الدولية لمنح لبنان القروض والمساعدات والمنح.
فلا تزال هيئة الشراء العام تعمل بأقل من ربع طاقتها التشغيلية، مع اعتمادها على عدد محدود من الموظفين. وينطبق الأمر نفسه على هيئة مكافحة الفساد. كما تواصل مؤسسات عامة عدة تجاهل متطلبات الإفصاح والشفافية، وتحاول التهرب من الالتزام بقواعد المناقصات، متجهةً نحو التلزيم بالتراضي.
يُضاف إلى ذلك عدم إنجاز الإصلاحات المصرفية المطلوبة، وضعف الجهود المبذولة لمكافحة الاقتصاد النقدي والحدّ من عمليات تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. وتثير هذه الثغرات مخاوف الجهات المانحة من احتمال تسرّب الأموال إلى جهات خاضعة للعقوبات، أو استخدامها في غير الأغراض المخصصة لها.
مجموعة من الأسباب الداخلية والخارجية تحول دون تلقي لبنان المساعدات المطلوب، وتهدد بانفجار الوضع اجتماعيا بأي لحظة. فـ “شعب لبنان قد طور قوة ملحوظة لتحمل أصعب الأوقات”، قال منسق الشؤون الإنسانية في OCHA عمران رضا، “ولكن حتى هذه المرونة الاستثنائية لها حدودها”. ولذلك حض رضا على خفض التصعيد، واحترام القانون الإنساني الدولي، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وزيادة التمويل”. فهل من يستجيب؟
