الإقامة الضريبية لغير المقيمين “ضربة معلم” للمستقبل ينقصها “التشطيب” الصحيح

الإقامة الضريبية

أعاد مشروع قانون الإقامة الضريبية شيئًا من التخطيط الذي افتقده لبنان لسنوات طويلة. فتحديد هدف مستقبلي لجذب رؤوس الأموال وتعزيز الاستثمارات الأجنبية “ضربة معلم” استباقية، يُنتظر منها أن “ترنّ” تدفقات نقدية بالعملات الأجنبية. وإن كانت هذه الخطوة أتت متأخرة، فإن أوانها لم يفت بعد؛ ألا تقول الحكمة الصينية إن “ثاني أفضل وقت للمبادرة هو الآن، فيما الأول كان قبل 20 عامًا”؟! إلا أن النجاح المضمون في التوقيت، متى اتُّخذ، يقابله شكوك في اختيار أفضل السبل للتنفيذ، وهو الشرط الثاني لنجاح العملية التخطيطية.

في 22 حزيران 2026، أقرت لجنة المال والموازنة مشروع قانون يمنح الإقامة الضريبية للمقيمين خارج لبنان مقابل استثمار لا يقل عن نصف مليون دولار. سيمنح القانون، فور إقراره في الهيئة العامة، المستثمرين اللبنانيين والأجانب غير المقيمين في لبنان إقامة ذهبية، وفق شرط الاستثمار في ثلاثة مجالات، مع مراعاة قانون تملك الأجانب بالنسبة إلى العقار، وتحويل المال من الخارج، مع التشدد بالتدقيق (compliance) لمنع أي محاولة لتبييض الأموال، بحساب مصرفي أو بموجب. وتستفيد عائلة المستثمر من الإقامة، بشرط دفع رسم سنوي لا يقل عن 50 ألف دولار عن كل فرد.

“عرّاب” المشروع

مشروع القانون المحال من الحكومة أعدّه وزير المالية ياسين جابر. فخلال سفراته الكثيرة إلى إنكلترا، لاحظ الوزير التأثير الكبير لتغيّر القانون الضريبي البريطاني على المستثمرين، ووجد فرصة جدية للاستفادة من هذا التغيير. فبريطانيا كانت تُخيّر المقيمين لديها بين أن يكونوا مقيمين ضريبيًا (Domiciled) أو غير مقيمين ضريبيًا (Non-Domiciled) لمدة 7 سنوات، فلا تفرض ضريبة على دخلهم وأرباحهم المتأتية من الخارج فقط طيلة هذه الفترة. وكثير من المستثمرين كانوا يقيمون في إنكلترا، فيما كانت كل أعمالهم واستثماراتهم في الخارج، فلا يدفعون عليها أي ضريبة في بريطانيا.

ومع استلام حزب العمال اليساري الحكم، أُلغي هذا المبدأ الضريبي، وأصبح جميع المقيمين في بريطانيا يخضعون للضريبة على أعمالهم داخل البلد وخارجه. تغيّر النظام الضريبي في بريطانيا دفع الكثير من المستثمرين إلى الخروج من بريطانيا نحو دول مثل قبرص، التي اعتمدت نظام الإقامة الضريبية، بحيث يمكن للمكلفين أن يكونوا مقيمين ضريبيًا في قبرص، فيما تُعفى إيراداتهم المتأتية من الخارج من الضرائب لمدة 15 عامًا. وإلى إمارة دبي في الإمارات العربية المتحدة، التي تعتمد نظامًا ضريبيًا خاصًا بالنسبة للشركات وليس للأفراد.

نقاط ضعف مشروع القانون

وعليه: “يبحث المستثمرون ورجال الأعمال بشكل دائم عن البلدان التي توفر الإقامة الضريبية لاتخاذها موطنًا لهم ولأعمالهم، للهروب من الضرائب المرتفعة التي تفرضها العديد من الدول الأجنبية”، يقول نائب رئيس الجمعية اللبنانية لحقوق المكلفين نديم ضاهر، و”قد عمدت الكثير من الدول، كإسبانيا وفرنسا وإيطاليا، إلى خلق نظام للمقيمين ضريبيًا يسمح لهم بعدم تسديد الضريبة عن إيراداتهم المتأتية من الخارج”. وقد رأى الوزير جابر أن لبنان يملك فرصة لجذب عدد من المستثمرين في حال عدّل نظامه الضريبي وسمح بالإقامة الضريبية ومنح الإقامة الذهبية. ومن هنا وُلد المشروع.

السير على خطى الدول في جذب الاستثمارات من بوابة “الإقامة الضريبية” يقابل، بحسب ضاهر، بتضمين مشروع القانون بعض المعوقات، إن لم تكن أفخاخًا، تحرّفه عن مساره الصحيح وتفوت على الاقتصاد فرصة الاستفادة الحقيقية منه.

  • أولى هذه العوائق تتمثل في أن مشروع القانون يطلب من المستثمرين الإقامة لمدة 90 يومًا فقط في لبنان. وهذه المهلة تُعتبر، بالمبدأ الضريبي، غير كافية لإثبات أن المستثمر مقيم في بلد معيّن، بحسب أغلبية البلدان الأوروبية والمتقدمة. والقاعدة الأساسية هي 180 يومًا. ومن يأخذ الإقامة الضريبية في لبنان قد يُعتبر، في بلدان أخرى، غير مقيم ضريبيًا، وبالتالي تكون خسارته مضاعفة في الداخل والخارج.
  • ثاني هذه العوائق يتمثل في ضرورة خلق بيئة مناسبة للاستثمار وتحويل الأموال. ففي ظل تعطل القطاع المصرفي، وانعدام الثقة به، وعدم تطبيق الإصلاحات البنيوية في مختلف المجالات، وعدم تأمين الاستقرارين الأمني والسياسي والإصلاح القضائي، فإن القدرة على جذب المستثمرين تبقى ضعيفة، على الرغم من توفير الإقامة الذهبية أو الضريبية.
  • ثالث هذه العوائق أن مشروع القانون الذي حظي بإقرار لجنة المال والموازنة، بانتظار تصويت الهيئة العامة، لم يأتِ كمشروع ضريبي مستقل ومتكامل، إنما يعدّل بنود قانون موجود أساسًا، يقول ضاهر، لكي يتلاءم مع المبادرة.

اللافت أن الإثباتات في القانون القديم لتبرير الإقامة في لبنان، أقوى من تلك المدرجة في القانون الجديد، حيث ان القانون الأساسي المراد تعديله، يتضمن ضريبة على الإيرادات من الأموال المنقولة (أسهم وفوائد) من الخارج بنسبة 10%، في حال كان المكلف مقيما في لبنان لمدة 180 يومًا ويملّك مسكنا.

اجتذاب الأموال المشبوهة

في ظل غياب البيئة الجاذبة، وعدم تماشي فترة الإقامة مع متطلبات الدول التي تراعي أعلى شروط الامتثال لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، يخشى ضاهر ألا تجذب الإقامة الضريبية إلا المستثمرين الذين لا ترغب بهم الدول التي تعتمد هذا النظام. وهو ما ستكون له انعكاسات سلبية، ولا سيما في ظل وضع لبنان المدرج على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، والمطلوب منه إصلاحات بنيوية في القطاع المصرفي والمالي

القانون جيّد من حيث الشكل، لكنه يعتريه الكثير من النواقص في التطبيق، ما قد يفوّت فرصة الاستفادة الجدية منه. وهو ما يعيدنا إلى السياق الذي تسير فيه القوانين اللبنانية، سواء كانت نتاج أفكار داخلية أو استجابة لضغوط خارجية، حيث تظل تفتقر إلى التشطيب النهائي (finishing) الصحيح. وهذا ما يعني إما إعادة صياغتها أو وقف تنفيذها، وفي الحالتين هناك تضييع للوقت وهدر للموارد.