اتفاق الداخل على تعديلات المصارف.. هل يصمد أمام تحفظات الخارج؟

المصارف

أقرت لجنة المال والموازنة النيابية التعديلات على المادتين 3 و13 من قانون إصلاح المصارف. وقد أتت هذه التعديلات في إطار «التوافق بين الحكومة ومصرف لبنان وصندوق النقد الدولي»، بحسب تصريح رئيس اللجنة، النائب إبراهيم كنعان.

المفارقة، أن المادتين اللتين شكلتا موضع نزاع على مدار عام كامل، لم تعودا إلى شكلهما الأصلي عند صدور القانون في آب 2025 فحسب، بل جرى تعزيزهما بما يتوافق مع مطالب مصرف لبنان بضمان استقلاليته. وهو ما أثار نوعًا من التساؤل حول الموقف الحقيقي لصندوق النقد الدولي، وما إذا كان يوافق بالفعل على هذه التعديلات، كونه من أشد المطالبين بتخفيف الصلاحيات الواسعة المجمعة بيد مصرف لبنان.

ما الذي حصل؟

بالعودة قليلًا إلى الوراء، يتبين أن صندوق النقد الدولي لم يكن راضيًا عن الصيغة النهائية التي صدر بها قانون إصلاح المصارف في صيف 2025. فالقانون الذي أحالته الحكومة بصيغة تتوافق مع متطلبات الصندوق، أُدخلت عليه في مجلس النواب تعديلات عديدة، مما حدا بصندوق النقد الدولي إلى المطالبة بإعادة النظر فيه.

بعد إقرار القانون، عقدت الحكومة وصندوق النقد الدولي أكثر من 85 ساعة من الاجتماعات، انتهت إلى إدخال تعديلات شملت معظم مواده. وعلى إثر ذلك، صاغت الحكومة هذه التعديلات في مشروع مرسوم، وأرسلته إلى كل من مصرف لبنان لإبداء الرأي، ومجلس النواب لإقراره مجددًا.

اعترض مصرف لبنان على التعديلات التي أُدخلت على المادتين 3 و13، معتبرًا أن الأولى تحد من صلاحيات الحاكم، فيما تمنح الثانية الهيئة المصرفية العليا حق إصدار التعاميم، بما يشكل مساسًا بصلاحيات الحاكم واستقلالية المصرف المركزي. وبعد أشهر من الأخذ والرد، وإصرار مصرف لبنان على عدم إمكانية تمريرهما بصيغتهما المقترحة، جرى الاتفاق على إعادة مناقشتهما.

التعديلات على المادتين 3 و13

بالفعل، أُضيف إلى المادة الثالثة نص يفيد بأن «هذا القانون يهدف إلى الحفاظ على الاستقرار المالي وحماية الودائع، وفقًا للمادة 70 من قانون النقد والتسليف»، وهي المادة التي تمنح مصرف لبنان وحاكمه صلاحيات واسعة.

أما المادة 13، فعُدلت بحيث لم يعد من اختصاص الهيئة المصرفية العليا إصدار التعاميم، وهي صلاحية ممنوحة حصرًا للمجلس المركزي بموجب قانون النقد والتسليف، على أن يقتصر دور الهيئة على إصدار التوصيات.

بهذه الطريقة انتهى النزاع. لكن، هل يوافق صندوق النقد الدولي على هذه التعديلات؟

بحسب ما يُفهم من تصريح رئيس لجنة المال والموازنة، النائب إبراهيم كنعان، عقب انتهاء جلسة اللجنة، يبدو أن صندوق النقد الدولي وافق عليها. واستند كنعان في ذلك إلى قوله إن «الوقت الذي أُعطي من قبل لجنة المال لمصرف لبنان والحكومة وصندوق النقد أعطى نتيجة»، مضيفًا أن «آخر ما نريده هو الدخول في عملية إملاءات وسواها، أو الانتقاص من الأهداف الإصلاحية المطلوبة عمليًا».

عبثية مالية

على الرغم من أن هذا التأخير لن ينعكس عمليًا على تنفيذ قانون إصلاح المصارف، إذ يبقى ذلك مرتبطًا بإقرار قانون الانتظام المالي، الذي أُعيد بدوره إلى الحكومة لإدخال تعديلات عليه، فإنه يوجه رسالة سلبية إلى الخارج. فهو «يدل على عبثية في إدارة الملف المالي والمصرفي في لبنان»، تقول المحامية المتخصصة في الشأن المصرفي دينا أبو زور. وتضيف: «في الوقت الذي يطالب فيه المجتمع الدولي لبنان بإقرار الإصلاحات، وفي وقت يحاول فيه لبنان، عهدًا وحكومةً، الانتقال من مرحلة تمييع الإجراءات إلى مرحلة التنفيذ والانطلاق من جديد، لا يمكن اعتماد سياسة “عفا الله عما مضى”».

وترى أبو زور أن إصرار صندوق النقد الدولي على توزيع الصلاحيات، ولا سيما في ما يتعلق بالقوانين النقدية والمالية، يهدف إلى تعزيز الحوكمة والشفافية، وحماية المودعين والقطاع المصرفي على حد سواء. وينطلق هذا التوجه، بحسب رأيها، من الهامش الواسع الذي منحه قانون النقد والتسليف للحاكم السابق، بما أتاح له التفرد في اتخاذ القرارات، وممارسة دور القاضي والجلاد في الوقت نفسه، وهو ما أسهم في الوصول إلى الانهيار المالي.

الإتفاق مع الصندوق

صندوق النقد الدولي، وإن لم يكن حلًا سحريًا بحسب ما يُطرح، فإنه يبقى حاجة ملحة في المرحلة الراهنة، بعدما وضع إطارًا واضحًا للإصلاحات المطلوبة. إلا أن «الخلافات حول هذه الإصلاحات وشدّ الحبال الذي يحصل في كل مرة يؤديان إلى إفراغ بعض القوانين من مضمونها، ما يؤدي إلى وقف تنفيذها بانتظار تعديلها من جديد»، تقول أبو زور. وتضيف أن من غير المعلوم إلى أي مدى سيبقى صبر صندوق النقد طويلًا في تعامله مع لبنان.

في المحصلة، يكشف مسار إقرار القوانين الإصلاحية عن عمق تضارب المصالح بين مصرف لبنان والمصارف والقوى السياسية، وعن صعوبة التوصل إلى توافق يضمن تنفيذ الإصلاحات المطلوبة. فاستمرار التأخير والتعديلات يهددان بتقويض الثقة المتبقية لدى المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي، في وقت لا تزال فيه حقوق المودعين غائبة عن المعالجة. ويبقى نجاح أي مسار إنقاذي مرتبطًا بإعادة بناء الحوكمة القطاع المصرفي وإقرار إطار قانوني واضح يضمن توزيع المسؤوليات وحماية حقوق المودعين.