الحكومة تصوم عن الإنفاق دهرًا.. والبرلمان يفتح أبواب الصرف بالجملة

الإنفاق

صامت الحكومة عن الإنفاق لأشهر، قبل أن يعود مجلس النواب و”يتخمها” بقوانين الصرف، وعقد القروض، وترتيب أكلاف إقامة البعثات والمنظمات الدولية، والإعفاءات الضريبية، وتمديد المهل.. دفعة واحدة.

في جلسته التشريعية الأخيرة، أقر مجلس النواب فتح اعتمادات إضافية كبيرة في موازنة 2026، إلى جانب اتفاقيات قروض بمئات ملايين الدولارات. ومن أبرز القوانين:

  • مشروع القانون الوارد بالمرسوم رقم 3057، الرامي إلى فتح اعتماد إضافي في الموازنة العامة لعام 2026 بقيمة 56.5 تريليون ليرة، لمنح العسكريين وموظفي القطاع العام ستة رواتب إضافية، مع مفعول رجعي اعتبارًا من 1 آذار.
  • مشروع القانون الوارد بالمرسوم رقم 1978، الرامي إلى تعديل بعض أحكام قانون الضمان الاجتماعي، والإعفاء من زيادات التأخير، وتقسيط الديون المتوجبة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، استنادًا إلى تعديلات لجنة المال والموازنة.
  • مشروع القانون الوارد بالمرسوم رقم 2251، الرامي إلى الموافقة على تعديل الخطاب الجانبي رقم 1 العائد لاتفاقية القرض رقم 959 الموقعة بين الجمهورية اللبنانية والصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية، لجهة وصف المشروع وقائمة البضائع المعدلة لمشروع الصرف الصحي في منطقة الصرفند.
  • مشروع القانون الوارد بالمرسوم رقم 1834، الرامي إلى إجازة الحكومة اللبنانية إبرام اتفاق بين الجمهورية اللبنانية وجمهورية ألمانيا الاتحادية بشأن إنشاء مكاتب محلية للوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) وبنك إعادة الإعمار (KfW).
  • مشروع القانون الوارد بالمرسوم رقم 2420، الرامي إلى الموافقة على إبرام اتفاقية بين الجمهورية اللبنانية وصندوق النقد الدولي بشأن تأسيس مكتب الممثل المقيم للصندوق.

الزيادة على الرواتب

في 16 شباط 2026، أقرت الحكومة منح موظفي القطاع العام والمتعاقدين ستة رواتب إضافية، مع كامل متمماتها للعسكريين، على أساس قيمة الراتب المعتمدة عام 2019. ولتمويل هذه الزيادة، التي تشكل نحو 50% من كتلة الرواتب والأجور وتُقدَّر كلفتها بأكثر من مليار دولار، اقترحت مجموعة من الإجراءات، أبرزها:

  • رفع ضريبة القيمة المضافة (TVA) من 11% إلى 12%.
  • فرض رسم إضافي قدره 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين.
  • تعديل رسوم المستوعبات، إلى جانب إجراءات لتحسين الجباية.

دخل إجراءان، هما الرسم على البنزين وتعديل رسوم المستوعبات، حيز التنفيذ سريعًا، فيما لم يقر مجلس النواب رفع ضريبة القيمة المضافة. وبما أن هذين الإجراءين لا يكفيان لتمويل الزيادة، بقي صرف الرواتب الإضافية معلقًا. فالرسم على البنزين لم يؤمن، بحسب الأرقام، أكثر من 30 مليون دولار شهريًا، مع تراجع الاستهلاك خلال الأشهر الماضية بنسبة 25% إلى نحو 300 ألف صفيحة. وهذا يعني أن إيراداته السنوية لن تتجاوز 360 مليون دولار. كما أدى تراجع حركة المستوعبات إلى انخفاض إيرادات الرسوم المفروضة عليها. وبقي التعويل الأكبر على زيادة ضريبة القيمة المضافة بنسبة نقطة مئوية واحدة، وهو خيار لم يكن سهلًا في ظل موجة ارتفاع الأسعار عالميًا وتراجع القدرة الشرائية محليًا. حتى الرسم الذي تراوح بين 1% و3% على السلع المسببة للتلوث سقط تحت ضغط هذه الظروف.

مصادر التمويل

رغم ذلك، أقر مجلس النواب الزيادة على الرواتب، وهي حق، برأي الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان. لكن تمويلها بطريقة خاطئة قد يحولها إلى موجة تضخمية جديدة يدفع الموظف ثمنها بنفسه. فالإنفاق الإضافي البالغ 56.5 تريليون ليرة يشكل نحو 10.5% من موازنة 2026. فمن أين سيجري تأمينه؟ يسأل أبو سليمان.

هناك خياران أحلاها مر:

  • الأول، الإنفاق من السيولة المتوافرة اسميًا في حساب الخزينة رقم 36 لدى مصرف لبنان، والتي تناهز 10 مليارات دولار، معظمها بالليرة. إلا أن هذه الأموال، الناتجة عن الجباية، تُستخدم أساسًا للحفاظ على الاستقرار النقدي، فيما تشكل الليرة نحو 80% منها. وإنفاقها يعني ضخ كتلة نقدية كبيرة في السوق، ما يرفع الطلب على الدولار والسلع ويعيد إشعال التضخم في اقتصاد لا يزال يعاني معدلات تضخم مرتفعة مقارنة بالاقتصادات المشابهة.
  • أما الخيار الثاني، فهو الدفع بالدولار من سيولة مصرف لبنان الخارجية، أو الطلب من المصرف المركزي تحويل هذه الليرات إلى دولارات، ما يعني زيادة الضغط على العملات الأجنبية، واستنزاف السيولة الخارجية، وتقليص الموارد المخصصة للاستقرار النقدي وحماية حقوق المودعين.

وعليه، يرى أبو سليمان أن المشكلة ليست في زيادة الرواتب، بل في تمويلها من دون إعلان واضح عن مصدر الأموال وكلفتها الفعلية.

خيار ثالث لا يقل كلفة

وبحسب المعلومات، ستحاول الحكومة تجنب هذين الخيارين، وستضغط لإقرار رفع ضريبة القيمة المضافة. وإذا لم تنجح، فستسعى إلى تعويض الفارق عبر زيادات في الرسوم أو مصادر إيرادات أخرى، ولا سيما أنها التزمت، شفهيًا ومبدئيًا، أمام صندوق النقد الدولي بعدم ترتيب أي نفقة جديدة من دون إيراد يقابلها.

لكن الكلفة، في جميع الأحوال، لن تكون مجانية، بل أشبه بـ«لحس المبرد». فكل زيادة في الرسوم والضرائب ستؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية للأجور في القطاعين العام والخاص، ما يعني أن ما ستمنحه الدولة بيد ستسترده باليد الأخرى، وربما أكثر.

والمشكلة أن هذه الزيادات، مهما بلغت، لن تكون كافية. فبمجرد حصول نحو 320 ألف موظف ومتقاعد على هذه الزيادة، ستبدأ دورة جديدة من المطالبات بزيادات إضافية، ولن تتأخر الإضرابات والاعتصامات عن شل القطاع العام مجددًا، تحت عنوان تآكل الأجور وعدم كفايتها.

في المقابل، يبقى الحل الحقيقي، المتمثل في إصلاح القطاع العام وإعادة هيكلته، غائبًا عن النقاش، بفعل الشعبوية وغياب الجرأة على كسر احتكار القوى السياسية للتوظيف واستغلال القطاع العام في الزبائنية والصفقات.

ما يحصل اليوم من زيادات عشوائية، قبل إعادة هيكلة القطاع العام، يعيد إلى الأذهان تجربة سلسلة الرتب والرواتب عام 2017: زيادة محقة اجتماعيًا، لكنها، من دون تمويل مستدام، قد تتحول سريعًا إلى ارتفاع في الأسعار واتساع في العجز. فتتبخر القدرة الشرائية بدل أن تتحسن، لنعود مجددًا إلى نقطة الصفر..