منذ عصفت جائحة كورونا في العالم، وأعين المراقبين والمستثمرين مسمّرة على سعر الفائدة أميركيا وأوروبيا بشكل خاص، وبقية الاقتصادات الكبرى بشكل عام. ولم يكد المتابعون يلتقطون أنفاسهم ابتداءً من أيلول 2024، حين خفّض الفيدرالي الفائدة نصف نقطة مئوية إلى 5%، وتبعه المركزي الأوروبي، حتى عادوا يلهثون وراء احتمال رفعها من جديد، وذلك نتيجة صدمة النفط التي تسببت بها حرب إيران وانعكاسها السلبي على التضخم.
في أحدث تصريحٍ في ما يخص مصير الفائدة، قال رئيس قسم الاقتصاد في البنك المركزي الأوروبي، فيليب لين، إن “صدمة الطاقة الناجمة عن حرب إيران ستترك تأثيراً مستمراً وعميقاً على معدلات التضخم في منطقة اليورو، حتى في حال التوصل إلى حل سريع ومفاجئ للصراع العسكري”، مشيراً إلى أن “الارتفاع المفاجئ في التكاليف قد يؤدي إلى إطلاق آليات تضخمية معقدة، تسهم في اتساع رقعة زيادة الأسعار لتشمل قطاعات أخرى”.
وعلى الفور، قامت الأسواق المالية بالتسعير الكامل لزيادتين متتاليتين في أسعار الفائدة على الودائع لدى «المركزي الأوروبي» (البالغة حالياً 2 في المائة)، مع وضع احتمالية تصل إلى 50 في المائة لإقرار زيادة ثالثة خلال العام المقبل.
التغير الديمغرافي وانعكاساته على الفائدة
العلاقة الطردية بين التضخم والفائدة ثابتة كثبوت دوران الأرض حول الشمس. فعندما يرتفع التضخم، تلجأ المصارف المركزية إلى رفع الفائدة، فتمتص، من جهة، الفائض النقدي، وتحدّ، من الجهة الثانية، من التوسع الاستثماري، لارتفاع كلفة الاقتراض وتراجع الجدوى الاقتصادية. عندها، يتراجع الإنتاج والطلب، وتنخفض الأسعار، والعكس صحيح.
هذه العلاقة، التي تمثل “ألف باء الاقتصاد”، دخل عليها اليوم متغيران أساسيان. فلم يعد مصير الفائدة مرتبطاً حصراً بالتضخم، إنما أيضاً بالتطور السكاني والذكاء الاصطناعي.
يجادل اقتصاديون، ومنهم تشارلز غودهارت ومانوج برادهان، بأن التغير الديمغرافي وانقلاب الهرم العمري للسكان رأساً على عقب، بحيث يتزايد اتساع خانات المتقدمين في العمر على حساب خانات الشباب في عمر الإنتاج، سيحوّلان المجتمع المتقدم في العمر إلى مجتمعٍ تضخمي، مهما جهدت المصارف المركزية لكبح جماحه.
في كتابهما الانعكاس الديموغرافي الكبير، يرى تشارلز غودهارت ومانوج برادهان أن “القوة الجديدة الدافعة نحو التضخم تنبع من تزايد نسبة المُعالين مع تقدم جيل الطفرة (جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية) في العمر، وانخفاض معدلات المواليد. فالمُعالون يميلون إلى التسبب في التضخم لأنهم يخلقون طلباً، بينما يميل العمال إلى خفض التضخم لأنهم يحصلون على أجور أقل مما ينتجون، ويدخرون جزءاً منها. ومع ارتفاع عدد كبار السن المُعالين، فإن قوى التضخم تتغلب على قوى خفض التضخم”.
كما أن تزايد أعداد كبار السن يضيف عبئاً على الأسر والحكومات. وسيكون من الضروري تمويل هذا الإنفاق، جزئياً على الأقل، من خلال ضرائب إضافية، يقع جزء كبير منها على العمال. “ومع تقلص قوة العمل، سينجح العمال في المطالبة بأجور أعلى بعد الضرائب، ما يولّد تضخماً مستمراً في الأجور”. وهذا بدوره، بحسب تشارلز غودهارت ومانوج برادهان، سيؤدي إلى ارتفاع التضخم الإجمالي.
في المقابل، فإن جيل الطفرة استثمر بقوة في أدوات التحوّط والصناديق الاحتياطية خلال الأربعين عاماً الماضية، مما حدّ تلقائياً من المعروض النقدي، وساهم في استقرار التضخم إلى حدّ جائحة كورونا.
التطور التكنلوجي يجذب المدخرات
عاملٌ آخر لا يقلّ أهمية عن التغير الديمغرافي، سيحدّ من قدرة المصارف المركزية على تخفيض أسعار الفائدة في الأمد القريب، ويتمثّل في حجم الإنفاق المتصاعد على القطاعات الجديدة الناشئة في الاقتصادات، ومنها بشكل أساسي شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر.
وبرأي المحللين، فإن المستثمرين يحجمون عن الاستثمار في السندات الأميركية الحكومية طويلة الأجل، والمحمية من التضخم، ذات العائد المرتفع والبالغ 2.8%، لصالح الشركات التكنولوجية. وهؤلاء المستثمرون لا يقتصرون على الأفراد والشركات، إنما يشملون أيضاً صناديق التحوط والتقاعد والصناديق الخيرية، التي تستثمر في أكثر الأصول أماناً للحفاظ على أموال الناس.
تاريخياً، كانت صناديق التقاعد الخاصة والحكومية تتهافت على سندات الحكومية الأميركية لاقتناص أي فرصة فوائد مرتفعة عليها، ولكن يبدو أن هناك اهتماماً ضئيلاً بهذه السندات اليوم. فالصناديق الاستثمارية تستثمر بكثرة في أصول أخرى كافية لتغطية متطلباتها المالية للأشخاص المتقاعدين.
يُضاف إلى ذلك تراجع حيازات المستثمرين الأجانب من سندات الخزانة الأميركية بشكل حاد خلال آذار 2026، بقيادة الصين واليابان، بأكثر من 90 مليار دولار؛ إذ خفّضت الصين حيازاتها بمقدار 41 مليار دولار، فيما خفّضت اليابان حيازتها بقيمة 50 مليار دولار.
ماذا يعني ذلك؟
يعني أن الأموال المدّخرة تتناقص باضطراد لصالح الاستثمارات، وهو واقع يتناقض مع مفهوم “فائض المدخرات العالمي” (Global Saving Glut) الذي أشار إليه رئيس الفدرالي السابق بن برنانكي، والذي يؤدي إلى انخفاض أسعار الفائدة، نظراً لكون حجم المدخرات العالمية أكبر من فرص الاستثمار المتاحة.
إزاء هذا الواقع، اضطرت الخزانة الأميركية إلى تقديم عائد بنسبة 5% على السندات طويلة الأجل في الطرح الأخير الذي جرى في 13 أيار الجاري، من أجل تحفيز المستثمرين على شراء هذه السندات.
هل يشير هذا الواقع إلى عدم إمكانية تخفيض سعر الفائدة مجدداً بعد اليوم؟
العودة إلى خفض أسعار الفائدة تتطلب إجراءات صعبة. إذا كان من الصعب جداً على المصارف المركزية مكافحة التضخم بـ الفائدة بسبب الديموغرافيا والإنفاق المالي، فإن الحل سيكون قاسياً، ويشمل أدوات أكثر فاعلية من الفائدة في هذه الحالات، ومنها:
- تقليص المعاشات والمساعدات الأخرى لجيل الطفرة المتقاعد.
- السماح بمزيد من الهجرة، خاصة من شبه القارة الهندية وأفريقيا، حيث لا تزال المجتمعات شابة، إلى الدول الأجنبية.
- إيجاد طرق لاستخدام الذكاء الاصطناعي والروبوتات في رعاية كبار السن.
تبدو هذه الإجراءات، بحسب تشارلز غودهارت ومانوج برادهان، أكثر صعوبة من رفع أسعار الفائدة من الناحية السياسية، لكنها قد تكون أكثر فاعلية من أي شيء يمكن أن تقوم به البنوك المركزية، مهما بلغت مكانتها.
