شهرًا بعد آخر، تتسع الفجوة في الميزان التجاري اللبناني، مما رفع العجز التراكمي، لغاية نهاية نيسان، بنسبة 19% على أساس سنوي، ليصل إلى 6.1 مليار دولار.
استورد لبنان، في الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي، بضائع بقيمة 7 مليارات و36 مليون دولار، بزيادة نسبتها 11.3% مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي. في المقابل، تراجعت الصادرات بنسبة 21.64% على أساس سنوي، لتنخفض إلى 938 مليون دولار.
بماذا تخبرنا الأرقام؟
أول ما يلفت الانتباه في الميزان التجاري هو التراجع الكبير في الصادرات، الذي ناهز 22%. ويعود هذا التراجع، بشكل أساسي، إلى ظروف الحرب الداخلية أكثر منه إلى العوامل الإقليمية. فعلى الرغم من تأثر حركة التجارة الخارجية بـ ارتفاع أكلاف الشحن واضطراب سلاسل التوريد، فإن تعطيل النشاط الاقتصادي وإعاقة الإنتاج، المترافقين مع استمرار تفاقم الأكلاف التشغيلية، أصابا القطاعات المصدّرة في مقتل.
التصدير الزراعي
في القطاع الزراعي، تضررت بشكل مباشر المنتجات التي تتربع على عرش الصادرات، وفي مقدمتها الموز والحمضيات التي تنتشر زراعتها في الجنوب، وما يتبعها من ثمار وفواكه. فالأراضي الجنوبية التي طالتها الاعتداءات الإسرائيلية تنتج 70% من الحمضيات و90% من الموز، إضافة إلى النسبة الأكبر من الزراعات الإكزوتيكية، كالقشطة والأفوكادو والأكدينيا والباشن فروت وغيرها، والتي تتميز بجودتها العالية وملاءمتها للتصدير.
ولا يقتصر الأمر على تضرر المواسم، بل يتعداه إلى تعطل التصدير البري وتعقيده، ولا سيما قبل أن تعود السعودية وتفتح، قبل أيام، أسواقها أمام المنتجات اللبنانية وطرقاتها أمام عبورها برًا إلى بقية الدول الخليجية، ولا سيما الكويت وقطر والبحرين.
وقد تزامن تراجع الصادرات مع قرار سوريا منع دخول الشاحنات غير السورية عبر المنافذ البرية، واشترطت إفراغ حمولاتها في الساحات الجمركية (المناقلة)، لتُنقل البضائع بعدها عبر شاحنات سورية. وقد أثار هذا القرار أزمة تمثلت في تكدس الشاحنات عند الحدود، وفقدان المصدرين القدرة على التصدير نتيجة التأخير وارتفاع الأكلاف.
التصدير الصناعي
في القطاع الصناعي، لم يكن الوضع أفضل حالًا، إذ تعمل المصانع بنحو 50% من قدرتها الإنتاجية، بسبب النقص في العمالة وظروف النزوح، وتُرزح تحت ارتفاع أكلاف التشغيل، وتعقيدات التصدير، وتراجع الطلب الخارجي.
وقد بيّن مؤشر مديري المشتريات لشهري نيسان وأيار ذلك بوضوح، إذ أشارت المؤسسات إلى أن ضعف الطلب، واستمرار حالة عدم الاستقرار، وارتفاع الأسعار، كانت من أبرز العوامل التي أثرت على مستويات الإنتاج والطلبيات الجديدة. كما أظهرت البيانات استمرار انخفاض الأعمال الجديدة الواردة من العملاء الدوليين، نتيجة تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على حركة التجارة الإقليمية.
كما واجهت شركات القطاع الخاص مزيدًا من الضغوط على سلاسل التوريد خلال أيار 2026، حيث ازدادت فترات انتظار تسليم المواد والمستلزمات مقارنة بالشهر السابق. ودفع ذلك العديد من الشركات إلى خفض مخزون المشتريات لتغطية النقص الناتج عن تأخر الموردين، في حين عمدت شركات أخرى إلى تقليص مخزونها بسبب ضعف الطلب.
كما أثّر ضعف المبيعات وارتفاع التكاليف سلبًا على مستويات التوظيف، حيث سجلت الشركات أكبر انخفاض في أعداد الموظفين منذ نحو خمس سنوات ونصف.
ارتفاع كمية وقيمة الواردات
على صعيد الواردات، فإن الزيادة المحققة تعود إلى ارتفاع الكميات المستوردة وزيادة قيمتها. فمن جهة، بيّنت حركة مرفأ بيروت ارتفاع إجمالي حركة الحاويات التراكمية بنسبة 34.74% على أساس سنوي حتى آذار 2026، ليصل إلى 242,265 حاوية نمطية.
في المقابل، أدّت زيادة الأسعار العالمية، ولا سيما في ما يتعلق بالمحروقات، إلى ارتفاع الفاتورة الاستيرادية بشكل كبير. فمعدل الاستهلاك الشهري من المحروقات في لبنان يبلغ، في المتوسط خلال السنوات الأخيرة، نحو 526 ألف طن متري، بقيمة تصل إلى 400 مليون دولار.
ومع ارتفاع أسعار المحروقات بأكثر من 30%، بالتوازي مع استمرار الاستهلاك بالوتيرة نفسها نتيجة الاعتماد المفرط على المولدات الخاصة لتأمين الكهرباء والبنزين للسيارات، فإن فاتورة المحروقات زادت بأكثر من 112 مليون دولار شهريًا، مع توقعات بأن ترتفع على أساس سنوي إلى 1.35 مليار دولار.
عودة العجز المزدوج
العجز المعتاد في الميزان التجاري ظلّ قابلًا للاحتواء خلال العامين الماضيين، بسبب تحقيق فائض في المالية العامة وميزان المدفوعات. إلا أنه مع بروز العجز المزدوج في الموازنة وميزان المدفوعات لأول مرة في آذار، عادت المخاوف إلى الواجهة، ولا سيما أن الحساب الجاري يمثل نقطة الثقل المركزية في ميزان المدفوعات اللبناني.
إن الارتفاع في العجز في الميزان التجاري، بالتوازي مع تراجع التحويلات والتدفقات المالية من السياحة، وانخفاض قيمة الأصول في مصرف لبنان، وفي مقدمتها الذهب، وترافق ذلك مع العجز في المالية العامة، هو ما أوصل لبنان إلى الانهيار الاقتصادي. فالعجز المزدوج يعني أن الدولة تنفق أكثر بكثير مما تجنيه من إيرادات، وهذا الإنفاق يُموَّل جزء من الاستيراد. مما يؤدي إلى تراجع احتياطيات المصرف المركزي بالعملة الأجنبية، ويضغط على سعر صرف الليرة، ويجبر المصرف المركزي على التدخل في السوق. وتراكم هذا المسار قد يؤدي إلى أزمات كبيرة جدًا، مثل تلك التي شهدناها بين عامي 2019 و2023.
ما الحل؟
هذه السياسة توقفت في عام 2023، عندما توقف المصرف المركزي عن تمويل الحكومة، ونسّق مع وزارة المالية على آلية لجمع فائض الدولار من السوق، بعيدًا عن المضاربة التي مارستها جهات قبل عام 2023 مستفيدة من هوامش عمولة واسعة. كما تم الانتقال إلى إدارة أكثر انضباطًا لـ “لمّ” الدولار، بما يراعي إجراءات مكافحة تبييض الأموال، ويساعد الحكومة على تحقيق فوائض في المالية العامة من دون أي كلفة عليها، مع التأكيد على ضرورة عدم العودة إلى ظروف عام 2019.
على الرغم من أهمية الإجراءات التقنية المتبعة وانضباطها، فإن الظروف الاقتصادية والتجارية في لبنان، وعودة العجز المزدوج، تفرض برأي رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق، الدكتور باتريك مارديني، اعتماد نظام مجلس النقد (Currency Board).
وبرأي مارديني، يمكن معالجة هذه المشكلة بسرعة عبر إنشاء مجلس نقد، خصوصًا مع تراكم الاختلالات المشابهة لتلك التي كانت قائمة عام 2019 وما قبلها. إذ إن نظام مجلس النقد يحمي لبنان من خطر انهيار سعر الصرف في المستقبل، ولا سيما في ظل التهديد بعودة الاختلالات في المالية العامة وميزان المدفوعات. كما أنه يحمي الاحتياطيات من العملات الأجنبية من خطر التآكل، بل يعززها، إذ إن معظم الدول التي اعتمدت نظام مجلس النقد شهدت ارتفاعًا في احتياطياتها من العملات الأجنبية. وقد لجأت هذه الدول إلى هذا الخيار في حالات الحروب أو عدم الاستقرار أو الأزمات الاجتماعية والمصرفية.
مرة جديدة يقف الاقتصاد اللبناني أمام تحدٍّ مفصلي، يتطلب معالجته بكثير من الحكمة والشجاعة، لتفادي تكرار سيناريوهات سبق أن شهدها لبنان في الماضي.
