“الحرب والفساد يبقيان لبنان في “الرمادي

أبقت مجموعة العمل المالي “فاتف” لبنان على اللائحة الرمادية ضمن إطار المراقبة المعززة، رغم التعهدات المتكررة التي قدمها لبنان خلال السنوات الأخيرة لإصلاح منظومة مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. ويعود هذا القرار إلى عدم استكمال متطلبات الامتثال الكامل للمعايير الدولية، إضافة إلى تحديات عدة أبرزها اتساع رقعة الاقتصاد النقدي، وبطء التحقيقات والملاحقات القضائية، وضعف الشفافية في الإفصاح عن الملكية الفعلية، وتفاوت مستوى الرقابة على المهن والأعمال غير المالية. وقد فاقمت تداعيات الحرب الإسرائيلية على لبنان هذه التحديات، وأعاقت تنفيذ الإصلاحات بالوتيرة المطلوبة.

يطرح هذا القرار تساؤلات جوهرية حول انعكاساته على القطاع المالي والاقتصادي، وحول الإصلاحات المطلوبة للخروج من هذه اللائحة. ويشار إلى أن لبنان أُدرج سابقاً على اللائحة الرمادية عام 2000، واستطاع الخروج منها خلال عام واحد فقط بعد إقراره تعريفاً قانونياً لتبييض الأموال وإنشائه هيئة التحقيق الخاصة. غير أن إعادة إدراجه عام 2024 كشفت عن ضعف في التطبيق الفعلي للقوانين، لا في البنية التشريعية نفسها التي اكتملت أساساً منذ عام 2016 مع إقرار القانون رقم 44 لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، ثم القانون رقم 55 للتعاون الضريبي مع الخارج.

تعود أسباب ضعف الامتثال إلى عاملين رئيسيين؛ يتمثل الأول في وجود تناقضات داخل بعض القوانين والهيئات الرقابية نفسها، ويكمن الثاني في التدني الشديد لعدد الملاحقات والمصادرات القضائية المتعلقة بتبييض الأموال، إذ لم تتجاوز الأحكام القضائية الصادرة حتى نهاية عام 2025 سبعة أحكام فقط. كما ساهم تحول الاقتصاد اللبناني نحو التعامل النقدي بعد أزمة عام 2019 في تسهيل تنفيذ معاملات عقارية ومالية دون التحقق من مصدر الأموال، لا سيما لدى كتّاب العدل والمحامين والمحاسبين.

أدت الحرب أيضاً إلى تراجع فعالية أطر الرقابة، وفتحت المجال أمام آليات جديدة لتمرير الأموال غير المشروعة عبر العملات المشفرة، كما تعرضت جهات وأفراد لبنانيون لعقوبات دولية متكررة، ما يضعف الثقة بالنظام المصرفي. وتبقى استعادة هذه الثقة والخروج من التصنيف مرهونين بإطلاق مسار إصلاحي شامل يجمع بين إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وضبط القنوات المالية غير النظامية، وتعزيز مكافحة التهرب الضريبي، وترسيخ حوكمة فعالة، مترافقاً مع استقرار سياسي وأمني، مع الإشارة إلى أن المراجعة المقبلة لملف لبنان ستجري في نهاية عام 2026.

اضغط هنا لمشاهدة المقابلة على قناة CNBC Arabia