حين يصبح الاقتصاد ولّاداً للأزمات لا ضحية لها.. التضخم خير مثال

التضخم

عندما أمطرت حرب إيران العالم بارتفاع أسعار النفط وكلفة الشحن والتأمين، ابتلّت الدول بـ التضخم، فيما غرق لبنان حتى أذنيه. فعلى الرغم من ثبات سعر الصرف والانفتاح التجاري على المتوسط، بعيداً عن منطقة الاختناق في الخليج العربي، فقد ارتفع التضخم فيه إلى أكثر من ستة أضعاف مستواه في أوروبا، وأربعة أضعاف مستواه في الاقتصادات النامية، وضعفي مستواه في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

سجل مؤشر أسعار جمعية المستهلك في النصف الأول من هذا العام ارتفاعاً حاداً بنسبة 19.05%، شمل 140 سلعة وخدمة أساسية لا تستغني عنها الأسر في لبنان. وما يدعو إلى القلق، بحسب جمعية المستهلك، أن “هذه النسبة تعادل ضعف مؤشر إدارة الإحصاء المركزي، الذي لامس 10% واحتسب جميع السلع، ما يؤكد أن التضخم الحالي يطال في العمق القوت اليومي والخدمات الحيوية للطبقات الفقيرة والمتوسطة، من المواصلات والمحروقات إلى الخضار والفاكهة واللحوم والألبان والأجبان والخبز”. ما يعني أن “معاناة العائلات اللبنانية والمقيمة تضاعفت مقارنة بالمعدل العام للتضخم”.

التضخم
الارتفاع في أسعار السلع لغاية حزيران – المصدر :جميعة المستهلك

التضخم في لبنان مقارنة مع غير بلدان

مما لا شك فيه أن مردّ هذا الارتفاع يعود، بالدرجة الأولى، إلى القفزة في أسعار النفط والطاقة عالمياً وإقليمياً. إنما يبقى السؤال: لماذا تأثر لبنان بأضعاف مضاعفة مقارنةً ببقية البلدان؟ ففي أوروبا، مثلاً، بلغ التضخم ذروته عند 3.2% في أيار قبل أن يتراجع إلى 2.8% في حزيران. علماً أن التضخم الأساسي، الذي يستثني الطاقة والغذاء، لم يرتفع بأكثر من 0.2 نقطة مئوية، من 2.2% في بداية العام إلى 2.4% في منتصفه. أما في الولايات المتحدة، فقد أنهى التضخم النصف الأول عند 3.5%، فيما لم يتجاوز التضخم الأساسي 2.9%.

في لبنان، نشهد ارتفاعاً كبيراً في التضخم بشقّيه العام والأساسي. وإذا كان ارتفاع أسعار الطبابة والتعليم والاستشفاء والإيجارات وحتى الترفيه يعود إلى عوامل تصحيحية، حيث تعيد المؤسسات تعديل أسعارها بالدولار لتعود إلى مستويات ما قبل الانهيار، فإن ارتفاع أسعار الغذاء والمحروقات فاق الزيادات المسجلة عالمياً.

التضخم
التضخم في الاقتصادات الكبرى

ارتفاع الأسعار

بالأرقام، سجلت 131 سلعة غذائية، مصنّفة ضمن فئات الخضار والفواكه والألبان والأجبان والمعلبات والزيوت والحبوب والخبز، ارتفاعات تراوحت بين 2% و22%. وفيما ارتفعت أسعار المحروقات بنسبة 24%، قفزت أسعار المواصلات بنسبة 49%. إذا كان ذلك يدل على شيء، فهو يدل على استغلال بعض التجار ومقدمي الخدمات للظروف العالمية لتحقيق أرباح عشوائية، بعيداً عن أي قواعد اقتصادية أو ضوابط فعلية، بحسب رئيس “جمعية المستهلك في لبنان” الدكتور زهير برو. ويضيف أن “غياب التنافسية الفعلية في أكثرية القطاعات، والاعتماد الكبير على الاستيراد من الخارج، يساعدان على استمرار هذا الواقع”.

أسباب التضخم

عدا عن النموذج الاقتصادي الذي لطالما كان مولّداً للتضخم وارتفاع الأسعار في لبنان، فإن طبيعة العلاقات الإنتاجية وتمحورها حول عدد محدود من رجال الأعمال، الذين يشغل بعضهم في الوقت نفسه أدواراً سياسية ومصرفية وتشريعية، تخلق تضارباً كبيراً في المصالح ينعكس تلقائياً على الأسعار. وهذا يعيد إنتاج المشكلة نفسها التي تتكرر منذ سنوات، والمتمثلة بمحاولات تحقيق أرباح سريعة بعيداً عن ضوابط السوق الطبيعية أو التطبيق الفعلي للقوانين.

القوانين حبراً على ورق

خلال السنوات الماضية، خطا لبنان خطوات جدية نحو تعزيز المنافسة، وقمع الاحتكارات، وحماية المستهلكين من خلال إقرار سلسلة من القوانين، أبرزها قانون المنافسة، وقانون سلامة الغذاء، وأخيراً قانون حماية المستهلك. إلا أن هذه القوانين لا تزال تفتقر إلى المراسيم التطبيقية، بحسب برو، فضلاً عن كونها معدّة على قياس أطراف معينين. ولعل أبرز مثال على ذلك هو تحديد نسبة الاحتكار في قانون المنافسة عند 35%، فيما لا يتجاوز المعدل العالمي 15%. وهذا يعني عملياً أن منتجين أو مستوردين اثنين قد يتمكنان من احتكار السوق والتحكم بالأسعار المرجعية للسلع ورفع الأسعار بشكل عام.

اقتصاد ولاد ارتفاع الأسعار

التضخم الذي يشهده الاقتصاد اللبناني ليس مستجداً، والاستهجان من ارتفاعه رغم ثبات سعر الصرف ليس في محلّه. فقبل عام 2019، وصلت نسبة التضخم في لبنان إلى 30%، بحسب برو، وذلك على الرغم من ثبات سعر الصرف. فطبيعة هذا الاقتصاد، واعتماده بشكل كبير على التدفقات النقدية الخارجية التي وازنت في بعض المحطات حجم الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى التفلت الاقتصادي، وغياب التنافسية، وارتفاع أكلاف الإنتاج محلياً، كلها عوامل مولّدة لارتفاع الأسعار بصورة مستمرة، بحسب برو. كما أنها تجعل الاقتصاد شديد التأثر بالظروف العالمية، وتفسّر استمرار الضغوط التضخمية فيه.

المفارقة أن أسعار مختلف السلع والخدمات أصبحت اليوم بالدولار أعلى مما كانت عليه في عام 2019، رغم أن المداخيل في القطاعين العام والخاص فقدت أكثر من نصف قيمتها. وهو ما يدفع 80% من اللبنانيين إلى التأقلم السلبي الذي لا يقدم أي قيمة مضافة للنشاط والنمو الاقتصادي.