مجلس النقد: لماذا يشكّل لبنان بيئة مثالية لتطبيقه؟

مجلس النقد

أن يرعى حاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، ندوةً دوليةً تناقش أهمية اعتماد مجلس النقد إطاراً وحيداً لتوفير الاستقرار النقدي، أمرٌ يستحق التوقف عنده مالياً ومليّاً جداً. فالـ”سهام” التي رُمِيَت على هذه السياسة النقدية، منذ طرحها في بداية الانهيار الاقتصادي، لم تُطلَق من “قوس” علمي، إنما سياسي. الغيارة على الموقع الماروني الأول في المجال المالي استشعروا “سحباً للسجادة” من تحت أقدام أرفع سلطة نقدية.

لكن، أهناك من هو أكثر حرصاً من سعيد نفسه على صلاحيات الحاكم والمصرف المركزي؟ أليس هو من كاد يطيح بالاتفاق مع صندوق النقد، بإصراره على عدم تمرير المادتين 3 و13 من قانون إعادة الهيكلة، لأنهما، من وجهة نظره، تزعزعان صلاحيات الحاكم وتقوضان قانون النقد والتسليف، فارضاً صياغتهما بما يحمي هذه الاستقلالية؟

لبنان حالة مثالية

في الندوة التي جمعت المدير العام السابق لصندوق النقد الدولي، والحاكم السابق للمصرف المركزي الفرنسي، جاك دو لاروزيير؛ والبروفيسور في جامعة جونز هوبكنز، ستيف هانكي؛ ومصمم نظام مجلس النقد في هونغ كونغ، جون غرينوود؛ أجمع الثلاثة، الذين يُعدّون من أبرز الشخصيات في مجال السياسات النقدية الدولية، على أن الآلية المقترحة تمثل إصلاحاً هيكلياً، لا إجراءً مؤقتاً لتحقيق الاستقرار.

يُعدّ مجلس النقد من أكثر أنظمة سعر الصرف ثباتاً، وهو، وإن كان لا يُطبّق في جميع البلدان، فإن لبنان ما بعد الانهيار يشكّل حالةً مثاليةً لتطبيق هذه السياسة، للأسباب التالية:

  • ارتفاع نسبة الدولرة في الاقتصاد من حدود 70% قبل العام 2019 إلى نحو 98% حالياً.
  • فقدان القدرة على استخدام السياسة النقدية لمواجهة الركود أو التضخم. فمع تعطل القطاع المصرفي، وحاجته إلى سنوات طويلة لاستعادة الموثوقية، حتى في حال إقرار الإصلاحات البنيوية اليوم قبل الغد، فإن قدرة مصرف لبنان على استخدام سعر الفائدة لسحب السيولة أو تحفيز الإنفاق ستبقى شبه معدومة.
  • عدم استدامة الاستقرار الحالي في سعر الصرف، وارتفاع احتمالات تدهوره في حال فُرض على الحكومة التوسع في الإنفاق لمواجهة الحاجات المتزايدة على صعيد الرواتب، والمتطلبات الاجتماعية، والإعمار، وترميم البنى التحتية.
  • تعرض السيولة الأجنبية لمخاطر التراجع نتيجة ضعف التحويلات، وغياب الاستقرار في الدول المجاورة، وتراجع شهية الاستثمارات والمساعدات على حدٍّ سواء.
  • ضعف التدفقات النقدية الواردة من السياحة، إذ لا تتجاوز حصة لبنان من السياحة الوافدة إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 5%، نتيجة عوامل عدة، من بينها الاحتكارات، ولا سيما في مجال الطيران.

كيف يعمل؟

تقضي سياسة مجلس النقد بشكلها العريض بطباعة الليرات بمقدار ما يتوافر من دولارات؛ أي أن تكون العملة الوطنية مغطاةً بنسبة 100% بالدولار. ويتحدد سعر الصرف في المعادلة الجديدة بعد تحريره كلياً لفترةٍ معينة. وعادةً ما يرتفع السعر خلال هذه المرحلة ولا ينخفض، لأن المتداولين يدركون أنه، مع انقضاء المهلة، سيستقر سعر الصرف. لذلك، يتوقفون عن شراء النقد الأجنبي، ويعمدون إلى بيع ما يحتفظون به منه.

من بعدها تصبح عملية طباعة الليرة محكومة بالمعادلة التالية بحسب الباحثة في الاقتصاد النقدي د. ليال منصور: كمية الدولار الموجودة = القاعدة النقدية بالليرة + نسبة محددة من قيمة الودائع بالدولار (قد تكون 10 في المئة أو اكثر أوأقل) مضروبة بسعر الصرف المعتمد ومقسمومة على سعر الصرف.  FX AMOUNT = MO+%CD/EX RATE

عقب اعتماد مجلس النقد، أو ما يُعرف علمياً بـ”صندوق تثبيت القطع”، تزداد تدفقات النقد الأجنبي إلى الاقتصاد. فزيادة الثقة بالنظام النقدي، وضمان عدم وجود اختلالات بنيوية، وارتفاع المساعدات النقدية بالعملة الأجنبية، وتلقي الدعم من صندوق النقد الدولي، والتحفّز نحو الخصخصة وفتح القطاعات الاحتكارية العامة أمام المنافسة، كلها عوامل تزيد التدفقات النقدية بالعملة الأجنبية وتساعد على تطبيق مجلس النقد.

هذه المبالغ تكتسب أهميةً بالغةً، خصوصاً في المرحلة الأولى، إذ يجب أن يفوق احتياطي الدولار الحاجة إلى طباعة العملة بما لا يقل عن 30%. فالموازنة تكون ما زالت مختلةً في الفترة الأولى، ويكون البلد في مرحلةٍ انتقاليةٍ تهدف إلى تأمين إدارةٍ صالحةٍ بعيدةٍ عن الهدر والفساد.

لبنان، كغيره من بلدان العالم الثالث، كي لا نقول البلدان المتخلفة، لا يمكنه أن يتقيّد بضوابط السياسات النقدية السليمة لفترةٍ طويلةٍ. وحتى إن نجح خلال الفترة الماضية في تحقيق الاستقرار، فإن استدامة هذا الاستقرار على المدى الطويل تبقى موضع شكٍّ. ولا شيء يضمن استمرار هذه السياسة إلا تثبيتها بقانون، وعدم فسخها تحت إغراءات الدعم والإنفاق غير المنضبط، والعودة إلى طباعة الليرات لتمويل الحاجات.

حلول مرونة الاقتصاد والسياسة المالية مكان أدوات السياسة النقدية لمعالجة الصدمات الاقتصادية لا تلغي دور المصرف المركزي أو حاكمه. ما يفرّغهما من معناهما هو استمرار الوضع على ما هو عليه، حيث يقف المصرف المركزي شاهداً على الانهيار النقدي والمالي والاقتصادي، من دون القدرة على ضبط الوضع بسبب التدخلات السياسية، والانقسامات الطائفية والحزبية، والسيطرة الميليشيوية. في المقابل، يضمن مجلس النقد الذي سيكون جزءاً من المصرف المركزي، وأحد أهم أدواته التنفيذية استقراراً طويل الأمد، ويعيد الثقة بالعملة الوطنية والسياسات النقدية.