خلف ملايين الأطنان من ردميات المنازل، وأكوام الديون، وأوجاع جيوب المودعين، تتسلل خيوط ذهبية مبشرة بفجر جديد. التفاؤل الذي يبدو في غير مكانه، أو شطحةً إنشائيةً بأحسن الظنون، يرتكز على ارقام النجاة نقدياً، لا التمنيات. وهو لا يتطلب إلا استعادة الدولة مكانتها وإمساكها بمفاصل السلاح والأمن والقضاء، والانتقال من إقرار الإصلاحات إلى البدء بتطبيقها.
شكّل صمود لبنان النقدي خلال الأشهر العسيرة الماضية مقدمةً لما يمكن تحقيقه في الأشهر اليسيرة. فعلى الرغم من الالتقاء النادر للمشاكل الداخلية بالغة التعقيد مع حرب إقليمية أرخت بثقلها على عملات عواصم قوية، ظل سعر الصرف مستقراً. وقد جنّب هذا الاستقرار الاقتصاد شطحات التضخم التي اكتوى اللبنانيون بنارها في بداية الانهيار، وحمى المالية العامة، التي يذهب أكثر من نصفها أجوراً ومخصصات بالليرة، من أعباء لا قدرة لها على تحملها.
زيادة الطلب على الدولار وتراجع العرض
المحافظة على الاستقرار النقدي، الملحّ عليه سياسياً، لم تكن مهمةً معبّدةً بالورود، بل شائكة. وبحسب معلومات خاصة بـ Lebanon Matters، فإن سعر الصرف كاد يفلت في مرحلة من المراحل، مصعبا ضبطه نقدياً، لولا رجوع مصرف لبنان عن خطأ الطلب من المصارف جمع الدولارات من السوق لصالحه.
عقب الحرب على إيران، التي دخلها لبنان بعد أيام قليلة، ارتفع الطلب بشكل كبير على الدولار، مقابل تراجع موازٍ في المعروض. جزء من الطلب لم يكن طبيعياً، بل نتج عن حالة الهلع والتخويف من تراجع سعر الصرف. حيث عمد الكثيرون ممن يحملون الليرات، وخصوصاً ممن استبدلوا في فترات ما قبل الحرب دولاراتهم بالليرات أملاً بإمكانية ارتفاع سعر الصرف، إلى شراء الدولار من السوق. فيما زاد طلب المستوردين على الدولار نتيجة ارتفاع الأسعار وأكلاف الشحن، وقد برز ذلك في أرقام الجمارك التي أظهرت ارتفاع نسبة المستوردات في الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي بنسبة 12 في المئة عن الفترة نفسها من العام الماضي، إلى 7 مليارات و36 مليون دولار.
مقابل ارتفاع الطلب على الدولار بين آذار ونيسان إلى معدلاته القصوى، كان العرض النقدي يتراجع. فانخفضت تحويلات المغتربين من الدول العربية، التي تمثل أكثر من 30% من التحويلات، وأحجم المستفيدون من التعميمين 158 و166 عن إنفاق جزءا كبيرا مما يحصلون عليه من دولارات بقيمة 240 مليون دولار شهرياً. كما فقد لبنان مصدر الدخل السياحي نتيجة إحجام السياح والمغتربين عن زيارته، وتعطل حركة الطيران في المنطقة.
إدخال المصارف على خط جمع الدولار
أمام هذا الواقع الضبابي نقدياً، ازدادت خشية صناع القرار النقدي من حدوث بلبلة في سوق القطع. فتم تكليف بعض المصارف بمهمة جمع الدولارات من السوق. وهنا وقع الخطأ. فبدلاً من زيادة احتياطي المصرف المركزي من العملات الأجنبية، تراجعت إلى معدلاتها القصوى في نهاية نيسان، إلى حدود 11 ملياراً و430 مليون دولار، فاقدةً أكثر من 600 مليون دولار في غضون أقل من 3 أشهر.
ما لم يأخذه صناع السياسة النقدية بعين الاعتبار، أن المصارف تهتم بربحيتها الخاصة وتأمين مصاريفها التشغيلية أكثر، بما لا يقاس، من احترام توازن السوق. فكانت نتيجة تكليفها جمع الدولارات، أن دخلت في مضاربة بين بعضها البعض من خلال خفض سعر الصرف ببضعة مئات من الليرات، وذلك على حساب تأمين العملة الصعبة لعملائها، ولا سيما من المستوردين.
الرجوع عن الخطأ.. فضيلة
وفي هذه المرحلة بدأ سعر الصرف ينخفض بين مئة و300 ليرة إلى ما بين 89700 و89800، وبحسب المعلومات كاد سعر الصرف أن يفلت، لولا سحب المركزي الطلب من المصارف التدخل في السوق والعودة للاعتماد على الآلية التي تم وضعها منذ أوائل 2023. ذلك أن مكمن نجاح هذه الآلية الناجحة نقدياً ليس الصدفة، إنما مجموعة من العوامل الموضوعية والعملية والعلمية، وهي:
- التعاون بين المالية ومصرف لبنان، حيث يتم لمّ فائض الدولار من السوق من الليرات التي يتم جمعها، للمحافظة على استقرار سعر الصرف.
- تمنع المضاربة في السوق والتنافس على شراء الدولارات، مما يحد تلقائياً من رفع السعر، وذلك كما كان يجري في العام 2022.
- تعمل وفقاً للمتطلبات العالمية في مكافحة تبييض الأموال، وتتجنب التعامل مع الجهات المعاقبة مهما كان الثمن.
- لا تحمّل خزينة الدولة أي أكلاف مالية، بل على العكس، فإنها في أوقات الذروة دفعت دولارات أكثر مما سحبت من ليرات، ما يثبت قدرتها على التحمل لفترات في حماية السوق، في أوقات الذروة حيث يرتفع الطلب على الدولار ويتراجع العرض.
- والأهم أنها تعمل بهدوء بعيداً عن الضوضاء، وبما يتناسب مع المعايير العالمية.
ومع إقصاء المصارف والعودة إلى الالية الموضوعة، عادت احتياطات مصرف لبنان لترتفع تدريجيا ابتداء من أيار، ووصلت إلى 11 مليارًا و631 مليون دولار. وانتهت في الموازاة الخشية على تدهور سعر الصرف.
مرَّر لبنان قطوع الاختلالات النقدية، واستطاع المحافظة على زيادة ودائع القطاع العام ورفعها إلى 10 مليارات دولار، في أصعب الظروف التي قد يمر بها اقتصاد. وإن كان هذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن المشاكل انتهت وأن الرخاء عمّ البلاد، إلا أنه مقدمة لاستعادة النشاط فور توقف الحرب، والتوقع بتدفق المنح والمساعدات لإعادة الإعمار. وإن ترافقت هذه الخطوات مع الإصلاحات البنيوية في المصارف والقطاع العام، فإن البلد قد يشهد حالة من الاستقرار الاقتصادي والنمو في الفترة القادمة.
