تثير التغيرات الكثيرة التي شهدها لبنان خلال السنوات الأخيرة، على صعيد التشريع المالي، وجهات نظر متناقضة. فعلى الرغم من اتفاق الجميع على أنها الدواء، ولو كان علقماً، لإعادة الانخراط في المنظومة المالية العالمية بعيداً عن الجرائم المالية، من تهرب ضريبي وتبييض أموال، فإنهم يختلفون على طريقة التطبيق وتوقيته. ومن هذه المتغيرات تبرز الآلية التطبيقية للحصول على معلومات محمية بـ السرية المصرفية.
في نهاية العام الماضي، صدر المرسوم رقم 2087، الذي يحدد الآلية التي يتوجب على الإدارة الضريبية اعتمادها في طلباتها المتعلقة بالحصول على معلومات محمية بالسرية المصرفية من مصرف لبنان والمصارف التجارية العاملة في لبنان، ونطاق تلك المعلومات. وقد أتى هذا المرسوم بناءً على القانون رقم 306 المتعلق بتعديل السرية المصرفية، وقانون الإجراءات الضريبية رقم 44.
التصريح عن موجودات خزائن المصارف
كما يستدل من اسمه، فإن هذا المرسوم يوجب على المصارف تزويد الإدارة الضريبية بكل المعلومات التي تطلبها عن حسابات الأفراد والشركات وأصحاب الحق الاقتصادي، وحتى عن أولاد المساهمين القاصرين في الشركات، عند القيام بعمليات التدقيق المكتبي أو الميداني لملفات المكلفين بالضرائب والرسوم.
هذا الشق العريض لم يختلف عليه اثنان. أما موضع الجدل، فهو يتعلق بمنع فتح الخزائن المؤجرة في المصارف (coffre) من قبل الورثة إلا بحضور مندوب عن وزارة المالية، من أجل فرض وتحصيل رسوم الانتقال على الأموال المنقولة وغير المنقولة. فهذه الخزائن أصبحت تُستعمل، بعد الانهيار الاقتصادي، لحماية الأموال والمجوهرات من السرقة والضياع، بحسب رئيس اتحاد نقابات المصارف جورج الحاج، وذلك بعدما أحجم المواطنون عن فتح الحسابات المصرفية.
العدالة في التطبيق
ملاحقة الورثة بـ رسوم الانتقال، ومقاسمة الإدارة الضريبية للورثة، لن تدفع، برأي الحاج، إلى وقف استئجار هذه الخزائن والاحتفاظ بالأموال في المنازل أو تحت البلاطة، كما يقال، فحسب، إنما ستخلق حالة من عدم العدالة. فمن يحتفظ بأمواله في المنزل لا يسدد الرسوم، فيما يُجبر من يضعها في الخزائن على تسديدها، مكرهاً، وفي الوقت الذي تحدده الإدارة الضريبية، وليس هو، عن ورثة قد لا يكون يعرف عنها شيئاً.
وبرأي الحاج، يفتقر هذا البند في المرسوم إلى عنصر المساواة أولاً، والمنطق ثانياً. فأصحاب الخزائن سيعمدون إلى سحب موجوداتهم منها والاحتفاظ بها في منازلهم أو أماكن أخرى، بعيداً عن كشف السرية المصرفية، كيلا يحمّلوا ورثتهم عبء تسديد الضرائب عليها أو تبرير مصدرها، وخصوصاً أنه في الحالة اللبنانية، ونظراً لتعقّد الأمور، قد يكون التبرير صعباً.
لا مفر من الملاحقة الضريبية
وجهة النظر المطالبة بحماية الخزائن في المصارف من الملاحقة الضريبية، يقابلها رأي مختلف ينطلق من مبدئين أساسيين.
الأموال المحتفظ بها في المنازل ستطالها الضرائب عاجلاً إن لم يكن آجلاً. وعلى حد قول المثل الشعبي: “الدولة والموت ما بيرحموا حدا”، بمعنى أنهما يطالان الجميع. فإن تقاطع قوانين التهرب الضريبي مع مكافحة تبييض الأموال، محلياً ودولياً، والتشدد في تطبيقها، سيجعلان من إخفاء الأموال مهمة شبه مستحيلة، إن لم يكن على المورّث فعلى الورثة بشكل أكيد.
هذا من حيث الشكل العام. أما من حيث التفصيل، فإن رئيس الإدارة الضريبية يمكن أن يوجه كتاباً إلى هيئة التحقيق الخاصة لدى مصرف لبنان، يطلب بموجبه تزويده بمعلومات عن الحسابات العائدة للشركات والمؤسسات، وللمكلّف أو لأولاده القاصرين، لدى كافة المصارف التجارية العاملة في لبنان، إذا تبين، مثلاً، أن حساباته المصرّح عنها لا تعطي صورة كاملة عن العمليات التجارية للمؤسسة أو الشركة. ويمكن له أن يطلب هذه المعلومات إذا كان المكلف الذي يتم تدقيق ملفه مكتوماً، وتبين أنه يتمتع بالملاءة المادية والمالية، بالاستناد إلى عدة عوامل، كمظاهر عيشه وعناصر ثروته.
التهرب الضريبي وتبييض الأموال أصبحا في عصرنا الراهن اثنين من أخطر الجرائم وأكثرها تعقيداً. وهما يتطلبان، بالإضافة إلى القوانين والأطر الناظمة، دقة في التطبيق وملاحقات جدية. وبرأي العديد من الآراء، يتطلب ذلك عدم وضع العربة قبل الحصان؛ أي عدم المضي في هذه الإجراءات قبل إنجاز الإصلاح المصرفي، ومكافحة الاقتصاد النقدي، واستعادة الثقة بالدولة، وتعميم الإجراءات على الجميع وليس على فئات محددة فقط، فتصبح وكأنها عقاب لهم وليس إصلاحاً.
